الشيخ والسيد والعماد… ثلاثية صنعت المقاومة

24 Feb

الشيخ والسيد والعماد… ثلاثية صنعت المقاومة

علي رسلان

لم تتوقف مسيرة المقاومة عن التطور والتقدم صعوداً منذ نشأتها في العام 1982، بل شهدت محطات رسم معالمها قادة شهداء، فكان لكل قائد بصماته التي خلدت أسطورة المقاومة، ونقلتها من مرحلة “الموقف سلاح” إلى زمن “حفظ المقاومة” وصولاً إلى عصر “ولى زمن الهزائم”

في بلدة جبشيت الجنوبية تبدأ واحدة من حكايات المقاومة، وفي خضم عصر الانحطاط العربي وسيطرة عبارات “العين ما بتقاوم المخرز” أو “نحن ما فينا لإسرائيل” وغيرها الكثير الكثير، عاد ابن البلدة الشيخ راغب حرب من الحوزة العلمية في ايران مدججاً بثقته العالية بالله وبسلاح الكلمة، وفي طريقه إلى جبشيت لم يكلف نفسه عناء التوقف على حاجز للعدو الاسرائيلي، منتفضاً على واقع الضعف والارتهان الذي أصاب المجتمع في تلك الفترة، لم يهادن الشيخ راغب ولم يساوم، فرفض استقبال جنود الاحتلال في بيته، ورفض مصافحة الضابط الاسرائيلي، ودار ظهره لهم متوجهاً للمسجد، ليقول إن مواجهة العدو واجب والابتسام في وجه المحتلين حرام.

كل زاوية في جبشيت تروي مآثر شيخ عاش فيها وانطلق إلى كل الجنوب، فمن مسجد البلدة الذي بناه بمشروع الليرة، بعث الشيخ راغب روح الثورة في عقول الجنوبيين، فالشيخ كان يمارس المقاومة قبل التنظير يقول أبناء البلدة، وبلكنته العاملية دخل إلى قلوب الجميع، واشتغل من محراب المسجد على بناء ارادة المقاومة واثقاً من النصر، وهنا ينقل بعض من عايشه ان الشيخ كان يقول “إن انسحاب اسرائيل من لبنان هو تحصيل حاصل، فلنفكر كيف سنخرجها من فلسطين”.

استطاع الشيخ أن يبني المجتمع المقاوم، ويضع الحجر الأساس في البنى التحتية للبيئة الحاضنة للمقاومة، والبيئة المولدة للمقاومين، والرافضة للاحتلال، محركاً الناس ليرفضوا الاحتلال بالموقف ولتنتشر التحركات الشعبية المناهضة للاحتلال بالقبضات والحجارة والعصي، فكانت انتفاضة النبطية ابرز هذ التحركات الشعبية في وجه الجنود الصهاينة… الشيوخ والشباب والأطفال، النساء والرجال كلهم باتوا مقاومين.

تحريك الشارع الجنوبي بوجه المحتلين لم يَرُق العدو، الأمر الذي جعله يفكر في كيفية التخلص من المحرك لهذا الشارع، فاعتقل الشيخ راغب حرب، لكنه عاد وخضع تحت ضغط الشارع وأطلق سراحه، ولم يتوقف فنفذ كميناً له ليل الجمعة السادس عشر من شباط 1984 واغتاله.

الشيخ راغب حرب

خال العدو أن اغتيال الشيخ راغب سيريحه، انما “دم الشهيد الذي سقط بيد الله نما ليحيي كل شعوب الأرض”، ففجر الشيخ باستشهاده ثورة طوقت العدو وجعلته منبوذاً، الأمر الذي اضطره للانكفاء إلى التلال ليتحصن في مواقعه المدشمة، ظناً منه “أنهم مانعتهم حصونهم”.

مواقع رصدها ابن بلدة النبي شيت السيد عباس الموسوي، وبدأ تشكيل المقاومة المنظمة، إلى جانب استكمال مسيرة التحريض الشعبي التي بدأها الشيخ الشهيد، فالسيد عباس قضى سنواته في الجنوب متنقلاً بين مواقع المقاومة، ومرابطاً على الثغور مع باقي المجاهدين، فكان الأب والأخ والقائد، وبدأت عمليات المقاومة تستهدف مواقع العدو وتحصيناته حتى اضطر للجلاء عن مساحات من الجنوب المحتل عام 1985 مبقياً على ما سمي بمنطقة الشريط الحدودي.

لم يتوقف السيد عباس، تابع وواكب عمل المقاومة الناهضة في مرحلة سياسية وامنية داخلية كانت باقي الأطراف المحلية في طريق الانحدار، جاهد ورفاق السلاح في اعداد تشكيلات المقاومة وتحضيرها، فتطورت نوعية عمليات المقاومة بدءاً باقتحام المواقع عبر المجموعات الخاصة التي تسبقها مجموعات الاستطلاع في تحديد واختيار الأهداف، وتواكبها مجموعات الاسناد والهندسة، وشهدت هذه المرحلة إدخال عنصر الاعلام الحربي في المعركة، كذلك أفلحت مجموعات المجاهدين في عمليات التسلل إلى عمق المناطق المحتلة، ونصب الكمائن للعدو لمنعه من التقدم.

السيد عباس الموسوي

صاحب مقولة “اسرائيل سقطت” كرسها في عقول القاعدة الشعبية للمقاومة، ورفع شعار “سنخدمكم بأشفار عيوننا”، ليكون قريباً من القاعدة الشعبية للمقاومة، حتى أصبحت تتنامى بشكلٍ لافت، متزامنةً مع سطوع نجم المقاومة في بداية تسعينيات القرن الماضي، فكان الهدف الأول للعدو الاسرائيلي هو القضاء على هذا القائد الذي جمع الشعب إلى جانب المقاومة، فارتفع شهيداً في اليوم الذي استشهد فيه الشيخ راغب عام 1992.

“اقتلونا فان شعبنا سيعي أكثر فأكثر”، قالها السيد الشهيد واستشهد، فكان منسوب الوعي يرتفع ومعه قدرات المقاومة، حيث أطلقت المقاومة أول مرة في تاريخها صواريخ الكاتيوشا إلى مستعمرات كريات شمونة، والمطلة ومسكاف عام وغيرها، تطور كان للقائد الحاج رضوان الباع الطويل فيه، الذي حمل وصية السيد عباس “الوصية الأساس حفظ المقاومة”، بكل أمانة وتابع مسيرة المقاومة التي بدأها منذ الاشراف والتخطيط لعملية الاستشهادي أحمد قصير عام 1982، وعزز فرق الهندسة في المقاومة التي استهدفت بعبواتها قوافل العدو وآلياته في عمق المنطقة المحتلة، عبوات أقلقت العدو فعلاً، حتى صار يفاوض في كيفية ايقاف هذا السلاح الذي فتك بجنوده وآلياته، وصولاً إلى استهداف كبار القادة أمثال ايرز غيرشتاين، وعقل هاشم وغيرهما، حتى بات هذا السلاح الرقم الصعب في استنزاف جيش الاحتلال وعملائه.

ركز القائد عماد مغنية على الترسانة الصاروخية، لا سيما صواريخ “غراد” فشهدت قفزات خلال عدواني 1993 وبعده في العام 1996، مشكلةً توازناً للقوى في مواجهة أعتى سلاح جو، وأقوى سلاح مدفعية في المنطقة، وكرس معادلة استهداف المدنيين في الجنوب يقابله استهداف المستعمرات، حتى لاقت هذه المعادلة جدواها، وفي كل عدوان كان الاسرائيليون يبحثون في آلية الحد من تأثير الصواريخ في جبهتهم الداخلية، وفي المقابل كانت المقاومة تعمل على زيادة مداها لتطال مساحات أكبر في فلسطين المحتلة.

واستمرت عمليات اقتحام المواقع فأدخل الحاج عماد تكتيكات عسكرية في عمليات الهجوم لتصبح ممنهجةً أكثر، وتحقق الهدف المرجو منها، حتى استطاع المجاهدون الوصول إلى مواقع العدو الخلفية التي كانت تتحصن خلف مواقع العملاء في الجبهة الأمامية، وإلى العمليات الهجومية والعبوات أدخلت المقاومة ما بعد السيد عباس السلاح المضاد للدروع.

وطوال ثماني سنوات التي تبعت استشهاد السيد عباس الموسوي، عمل الحاج رضوان على وضع خطة تكتيكية من أجل إخراج المحتل ذليلاً من أرض الجنوب، الذي سرعان ما اندحر على وقع أزيز رصاص المجاهدين في العام ألفين، ليبدأ بعدها الحاج عماد بوضع الخطط الاستراتيجية التي تؤمن حماية لبنان.

لم يهدأ القائد الاستراتيجي بعد تحقيق الانتصار الأول باندحار المحتل، بل عمل ليل نهار مع المجاهدين على تنظيم الصفوف ورصها تمهيداً للمواجهة الأكبر، وبدأ يدغدغ العدو بالمفاجآت فكانت طائرة “مرصاد 1” التي حلقت فوق فلسطين المحتلة، مثيرة الرعب في صفوف الصهاينة قادة وعسكريين ومستوطنين، طائرة لم تظهر كل ما في جعبة الحاج رضوان التي كانت ممتلئة بالمفآجات… الصواريخ وصلت إلى “ما بعد حيفا” ونالت قبضات “الكورنت” المضادة للدروع من الميركافا فخر الصناعة الاسرائيلية، وطالت صواريخ الأرض بحر بارجة “ساعر 5” في عرض البحر، كل هذا في عدوان تموز 2006، في حين لم تكشف المقاومة كل ما لديها واستكملت بعد العدوان تعزيز قدراتها البشرية واللوجستية تحضيراً للمعركة القادمة في الحرب التي شارفت على الانتهاء.

في العام 2008 خرج القائد عماد مغنية إلى الضوء باستشهاده… فرح العدو وهلل لما اعتبره انجازاً قد يضعضع صفوف المقاومة، إلا أن القائد الشهيد “ترك خلفه عشرات آلاف المجاهدين المدربين والمستعدين لأي مواجهة”، وترك خططاً توصل المقاومة عميقاً في قلب فلسطين إلى المسجد الأقصى، وأصبح العدو يحسب الف حساب لأن صواريخ المقاومة البالغة اكثر من 50000 صاروخ قادرة ان تغطي “من كريات شمونة إلى إيلات”، هذا المعلن والمستور أعظم واكبر، والمفاجآت لن يتوقعها لا الصديق ولا العدو يقول العارفون بخطط المقاومة.

القائد عماد مغنية

هي مسيرة المقاومة التي تكاملت فيها أدوار القادة الشهداء الثلاثة، قائد استنهض الحالة الشعبية، قائد واكب الحالة الجهادية مستكملاً استنهاض الحالة الشعبية، وقائد جهادي خطط وأشرف ودرّب وحقق الانتصارات.

Advertisements
%d blogger hanno fatto clic su Mi Piace per questo: